المقالات الأحدث

الفراغ المغري في مدخل البحر الأحمر



يمكن الانطلاق من مفهوم واحد جامع يفسّر كل ما يجري حول مدخل البحر الأحمر والقرن الأفريقي: الفراغ المُغري.

ليس الفراغ هنا توصيفًا بل حكمًا سياسيًا. منطقة تتآكل فيها الدولة، تتراجع فيها السيادة، وتختفي القدرة على فرض القرار، فتتحول الجغرافيا من عبء على أهلها إلى إغراء لغيرهم. وفي العلاقات الدولية، الفراغ دائما يجد من يملأه.

كل فراغ سيملأه أحدهم

مدخل البحر الأحمر ليس مجرد ممر ملاحي، بل عقدة ربط بين المحيط الهندي وقلب المتوسط، وبين تجارة العالم وسلاسل الطاقة والأمن. ومع تفكك الصومال، وانقسام اليمن، واضطراب السودان، وتحوّل إريتريا إلى دولة مغلقة شديدة الهشاشة، تشكّل فراغ استراتيجي واسع، لا تحرسه دولة قادرة ولا تحكمه منظومة إقليمية مستقرة. القاعدة القديمة هنا تعمل بلا استئذان: كل فراغ سيملؤه أحدهم، لا بالضرورة الأكثر شرعية، بل الأكثر قدرة.

الفرق بين الرغبة والقدرة

كثير من الدول تعلن أن أمن البحر الأحمر “حيوي” أو “مصيري”. لكن السياسة لا تُقاس بالتصريحات، بل بالفرق بين الرغبة والقدرة. الرغبة شعور، أما القدرة فهي ميزانية، وقواعد، وأسطول، واستدامة. امتلاك مصلحة في حرية الملاحة لا يعني امتلاك الأدوات الكفيلة بحمايتها. وهنا يبدأ الفرز الحقيقي بين دول ترى الخطر وتدور حوله، ودول تدخل إلى قلبه وتعيد تشكيله.

الانكفاء الاستراتيجي المصري

في هذا السياق، تبدو سياسة مصر أقرب إلى الانكفاء الاستراتيجي منها إلى الغياب. القاهرة ليست غافلة عمّا يجري، لكنها محكومة بقيود واضحة: عقيدة عسكرية دفاعية بالأساس، اقتصاد مثقل لا يسمح بمغامرات بعيدة المدى، وقدرة محدودة على إسقاط القوة خارج المحيط الجغرافي المباشر إلا في أضيق الحدود. “الأذرع القصيرة” للقاهرة هنا ليست توصيفًا إعلاميًا، بل حقيقة في هيكل القدرة المصرية.

وجود رمزي لا يحدث فارق

النتيجة أن الوجود المصري خارج الدائرة التقليدية يظل رمزيًا أو ظرفيًا، لا يتحول إلى نفوذ دائم ولا إلى قدرة على ضبط المجال الحيوي.
السياسة المصرية تميل إلى إدارة المخاطر لا استثمارها، وإلى تقليل الخسائر لا تعظيم المكاسب. هذا الخيار مفهوم داخليًا، لكنه مكلف إقليميًا.
في المقابل، يتحرك لاعبون آخرون بمنطق مختلف تمامًا. اعتراف إسرائيل بـصوماليلاند لا يمكن قراءته كخطوة دبلوماسية معزولة. هو اعتراف بوظيفة جيوسياسية قبل أن يكون اعترافًا بكيان.

توظيف تفكك الصومال

صوماليلاند تطل مباشرة على أحد أخطر الممرات البحرية في العالم، وقريبة من باب المندب بما يكفي ليصبح أي حضور فيها ورقة ضغط استراتيجية. الرسالة واضحة: إسرائيل لا تنتظر توافقًا دوليًا عندما ترى فرصة أمنية، وتفضّل النفوذ غير المباشر منخفض الكلفة على القواعد العسكرية التقليدية عالية الثمن.

الميناء قبل البندقية

أما الإمارات العربية المتحدة، فتتحرك بعقلية مختلفة تمامًا: عقلية الميناء قبل البندقية. استثمارات لوجستية، إدارة موانئ، شراكات طويلة الأجل، نفوذ اقتصادي يتحول تدريجيًا إلى نفوذ أمني. لا خطاب صاخب ولا سردية أيديولوجية متماسكة، بل تراكم هادئ يصنع وجودًا يصعب اقتلاعه. هذا النوع من التمدد أخطر من الوجود العسكري المباشر، لأنه يبدو طبيعيًا، بل “تنمويًا”، بينما يعيد توزيع القوة فعليًا.

حضور عسكري صلب ونفوذ ناعم

تركيا بدورها اختارت مسارًا أكثر صراحة: قاعدة عسكرية في الصومال، تدريب، نفوذ ناعم، ثم حضور عسكري صلب. مزيج بين الطموح السياسي والقدرة العملية، وبين الخطاب والميزانية. أنقرة تدرك أن السيطرة على المجال الحيوي لا تُبنى في يوم، لكنها تبدأ بخطوة محسوبة، ثم تُحمى بالاستمرارية.

من لا يشارك في رسم الخريطة يعيش في خريطة يرسمها أخرون

المشهد النهائي إذن غير مريح للقاهرة: المجال الحيوي لمصر في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يُعاد تشكيله دون أن تكون لاعبًا رئيسيًا فيه. ليس لأن الآخرين أكثر “حقًا”، بل لأنهم أكثر استعدادًا لدفع الكلفة، وأكثر قدرة على تحويل الفراغ إلى فرصة.
الفراغ المُغري لا ينتظر المترددين، ولا يكافئ من يكتفي بالمراقبة. في هذه المنطقة، وكقاعدة عامة، من لا يملأ الفراغ يُدار من داخله، ومن لا يرسم الخريطة، يجد نفسه يعيش داخل خرائط رسمها اخرون.

تعليقات