خطوط مصر الحمراء في السودان قيلت بوضوح، لكن وُضعت في فراغ. رفض التقسيم ورفض ازدواجية السلطة بديا موقفًا أمنيا مفهومًا، لكنهما بقيا سياسيًا بلا أسنان. فالخط الأحمر لا يصير خطًا حقيقيًا لمجرد الإعلان عنه؛ لا بد له من أدوات تجعل تجاوزه مكلفًا: نفوذ عسكري حاضر، شبكة حلفاء محليين، وقدرة على التأثير في مسار الصراع لا الاكتفاء بتوصيفه. هذه العناصر، مجتمعة، لا تتوافر اليوم لمصر في الحالة السودانية.
تعقيد مزمن
وهنا لا نتحدث عن ضعف مصري بقدر ما نتحدث عن تعقيد سوداني مزمن أكبر من قدرات القاهرة. السودان لم يعد ساحة نفوذ تقليدية يمكن إدارتها عبر دعم طرف مركزي يفرض النظام بالقوة، بل مشهد مفتوح على تشظٍ طويل، تُدار فيه السياسة بمنطق القبيلة والعرق وامراء الحرب لا بمنطق الدولة.
في هذا المشهد المتكسر، يصبح الرهان المصري محصورًا في المؤسسة العسكرية السودانية، وتحديدًا قيادة الفريق عبد الفتاح البرهان. رهان يبدو منطقيًا بحكم التاريخ والعلاقات، لكنه عمليًا رهان على جيش بلا دولة. جيش حاضر بالاسم والسلاح، غائب بالقدرة على التجميع وصناعة إجماع سياسي.
الجيش السوداني لا يملك اليوم سيطرة إقليمية مستقرة، بل انتشارًا متقطعًا، يعتمد على تفاهمات ظرفية، يقسمها الخلافات اكثر مما تجمعها المصالح،أكثر مما يعتمد على نفوذ مؤسسي. حضوره خارج نطاقات محدودة هش، وتحركاته مرهونة بتوازنات محلية متغيرة، لا بخريطة سيطرة وطنية واضحة.
تعبئة لا تعبىئ أحداً
وحين أعلن البرهان “التعبئة العامة”، بدا الإعلان كبيرًا، لكن مفعوله كان محدودًا. تعبئة لم تُعبّئ أحدًا خارج الدائرة الضيقة للأنصار. لم تتحرك المدن، ولم تلتحق الهوامش، ولم يولد شعور بأن هناك دولة تُستدعى للدفاع عنها. ما جرى كان استنفارًا سياسيًا، لا تعبئة اجتماعية.
يزداد الأمر تعقيدًا مع غياب مشروع دولة متوافق عليه. فكرة “دولة 1956” لم تعد مرجعية جامعة، بل تحولت إلى عنوان للخلاف. بالنسبة لكثيرين، ليست هذه الدولة ذكرى وطنية، بل تاريخًا من الإقصاء لم يُغلق حسابه. استدعاؤها اليوم لا يوحّد الصفوف، بل يعيد فتح الجروح القديمة.
الخريطة السودانية الراهنة لا تُقرأ بلغة المؤسسات، بل بلغة القبيلة والمظلومية والسلاح. شبكات القوة تشكّلت عبر عقود من التهميش، ثم تصلّبت مع عسكرة الصراع. في هذا السياق، يصبح السلاح أداة لا غنى عنها، لكنه يظل غير كافٍ. فالتسليح من دون قاعدة اجتماعية لا يصنع سيطرة، بل يراكم الاستنزاف.
جماعة قومية في الخيال السياسي لا على الأرض
هنا تظهر قوات الدعم السريع كقوة فاعلة، لكنها ليست مركز الصراع ولا اختزاله. هي أحد أطرافه، لا كله. وفي المقابل، فإن القوى المناوئة للبرهان لا تُختصر فيه ولا في أنصار الدولة المركزية القديمة، بل تمتد إلى طيف واسع من الفاعلين المحليين الذين لا يرون في الجيش ممثلًا لمصالحهم ولا ضمانة لمستقبلهم.
الأخطر من ذلك أن السودان، في لحظته الراهنة، يفتقر إلى جماعة سياسية موحدة يمكن مخاطبتها. “السودانيون” كجماعة قومية جامعة ظلوا طويلاً فكرة موجودة في الخيال السياسي، لكنها لم تتحول إلى رابطة سياسية عملية. وحين تراجعت الدولة، لم تتقدم الأمة لملء الفراغ، بل تقدمت الهويات الصغرى، كلٌّ بسلاحه، وكلٌّ بسرديته.
شبكات اقتصادية عابرة للحدود
ويأتي العامل الدولي ليضيف طبقة أخرى من التعقيد. تعدد الرعاة، تضارب المصالح، والتدخلات الإقليمية، وعلى رأسها الدور الإماراتي، حولت السودان إلى ساحة مصالح مفتوحة: ذهب، موانئ، نفوذ، وشبكات اقتصادية عابرة للحدود. في ساحة كهذه، لا تُحترم الخطوط الحمراء لأنها بلا كلفة حقيقية.
في المحصلة، ما تعلنه مصر في السودان موقف مفهوم ومشروع من حيث المبدأ، لكنه غير قابل للتحقق بأدواته الحالية. فالخط الأحمر، حين لا تحميه موازين قوة، يتحول من سياسة إلى أمنيات مرسومة في الهواء
تعليقات
إرسال تعليق