بحث هذه المدونة الإلكترونية
مكان لفهم أعمق للعالم، من منظور عربي عالمي. مدونة تسلط الضوء على تعقيدات العالم العربي في سياق عالمي.
المقالات الأحدث
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
انتخابات بلا مفاجآت… وبيان مفاجئ: تحليل لحظة الارتباك داخل النظام المصري
الدولة المصرية
توظف الغموض كأداة للحكم. فالمشهد الانتخابي الأخير لم يفاجئ أحدًا بقدر ما فضح
المفارقة: بنية سياسية صُنِعت عمدًا لتكون ملتبسة، ثم يندهش صانعوها حين تنتج
التناقض نفسه الذي زرعوه. جزء من هذا الغموض انعكس في بيان الرئاسة حول المرحلة
الأولى من انتخابات النواب.
لغة البيان
الذي أصدره الرئيس عبد الفتاح السيسي حملت نبرة غير مسبوقة في سياق إدارة العملية الانتخابية.
فهو يطالب الهيئة الوطنية للانتخابات بالتدقيق، وبإعلان إجراءات المخالفات،
وبإلغاء نتائج دوائر أو مرحلة كاملة إذا تعذّر تحديد إرادة الناخبين. تبدو هذه
اللغة وكأنها قادمة من طرف حكم لا رأس للنظام نفسه وواجهته.
لكن هذا التحول
الظاهري يمكن قراءته على ثلاثة مستويات:
أولًا: مستوى الرمزية
البيان يسعى
إلى إعادة تقديم الرئيس باعتباره "الحَكَم الأعلى" فوق الأطراف، غير
منخرط في تفاصيل الترتيبات، بل مراقب لها. هذه الصياغة ترجع السلطة الأخلاقية إلى
رأس الدولة، وتخلق مسافة محسوبة بينه وبين ما جرى في بعض الدوائر.
ثانيًا: مستوى امتصاص التوتر
الجولة الأولى
مع انتخابات مجلس الشيوخ مع تصاعد الاتهامات بين معسكر الموالين حول بيع المقاعد
في "الوطنية الموحدة"
كل ذلك قد خلق قدرًا من الضجيج أكبر
من المتوقع. التدخل العلني يهدف إلى امتصاص هذا الضجيج؛ رسالة للشارع بأن النظام
"يرى ويسمع"، ورسالة للنخب بأن الفوضى غير المطلوبة لن يُسمح لها بإرباك
المشهد.
ثالثًا: مستوى إعادة التموضع
بعد سنوات من
هندسة المجال السياسي، تَحتاج السلطة أحيانًا إلى تعديل مظهر اللعبة دون المساس
بجوهرها. ليس لأن النظام يستعيد إيمانه بالديمقراطية، بل لأن فائض التحكم نفسه قد
يُحدث تشوّهات تضر بصورته أكثر مما تخدمه.
من هندسة المغزى إلى هندسة الشكل
لم يكن البيان
إعلانًا لتغيير في قواعد الحكم، ولا دعوة إلى انتخابات تنافسية بالمعنى الحقيقي.
إنما هو محاولة لإعادة ترتيب الإيقاع بعد أن بدا المشهد الانتخابي فوضويًا على
نحوٍ يهدّد الصورة العامة لا البنية العميقة للسلطة.
إنه تذكير بأن
النظام يستند إلى إدارة المشهد لا إلى تركه ينفلت، وأن التحكم قد يُعدّل شكله حين
يستدعي الأمر، لكن جوهره باقٍ.
بكلمات أخرى،
لم تدخل الدولة فجأة في مرحلة الإشارات المتعارضة الغامضة؛ بل إن هذا الغموض
والتعارض هو أحد أنماط إدارتها.
غير أن بعض
الإشارات خرجت في الجولة الأخيرة عن حدّها المعتاد، فاستدعت خطابًا يعيد توازن
الصورة لا توازن النظام.
المسرح لم
يغلق، لكنه يحتاج أحيانًا إلى تغيير الديكور… كي يظل العرض قابلًا للتصديق.
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
تعليقات
إرسال تعليق