التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقالات الأحدث

الفراغ المغري في مدخل البحر الأحمر

يمكن الانطلاق من مفهوم واحد جامع يفسّر كل ما يجري حول مدخل البحر الأحمر والقرن الأفريقي: الفراغ المُغري. ليس الفراغ هنا توصيفًا بل حكمًا سياسيًا. منطقة تتآكل فيها الدولة، تتراجع فيها السيادة، وتختفي القدرة على فرض القرار، فتتحول الجغرافيا من عبء على أهلها إلى إغراء لغيرهم. وفي العلاقات الدولية، الفراغ دائما يجد من يملأه. كل فراغ سيملأه أحدهم مدخل البحر الأحمر ليس مجرد ممر ملاحي، بل عقدة ربط بين المحيط الهندي وقلب المتوسط، وبين تجارة العالم وسلاسل الطاقة والأمن. ومع تفكك الصومال، وانقسام اليمن، واضطراب السودان، وتحوّل إريتريا إلى دولة مغلقة شديدة الهشاشة، تشكّل فراغ استراتيجي واسع، لا تحرسه دولة قادرة ولا تحكمه منظومة إقليمية مستقرة. القاعدة القديمة هنا تعمل بلا استئذان: كل فراغ سيملؤه أحدهم، لا بالضرورة الأكثر شرعية، بل الأكثر قدرة. الفرق بين الرغبة والقدرة كثير من الدول تعلن أن أمن البحر الأحمر “حيوي” أو “مصيري”. لكن السياسة لا تُقاس بالتصريحات، بل بالفرق بين الرغبة والقدرة. الرغبة شعور، أما القدرة فهي ميزانية، وقواعد، وأسطول، واستدامة. امتلاك مصلحة في حرية الملاحة لا يعني امتلاك ال...

ما وراء أوكرانيا: المعركة الحقيقية على تعريف روسيا

 



حين سُئل أوّل سكرتير عام لحلف الناتو، هاستينجز إيزماي، عن جوهر مهمة الحلف، لخّصها بجملة لا تزال تفسّر نصف قرن من السياسات الغربية:
«
إبقاء الروس خارجًا، والأمريكيين داخلًا، والألمان تحت السيطرة».

جملة فظة، مباشرة، بلا تلطيف سياسي. لكنها تكشف جوهر النظام الأمني الأوروبي بعد الحرب الثانية:
نظام بُني لضبط ميزان القوة، لا لحماية “القيم”، ولضمان ألّا تستعيد موسكو موقعًا يسمح لها بالتأثير في القارة.

ومع كل جولة صراع في أوروبا الشرقية يعود السؤال ذاته:
كيف يجب التعامل مع روسيا؟
وكيف تُعاد صياغة أوروبا بما يبقي موسكو خارج نطاق التأثير؟

هنا يبدأ الاشتباك الحقيقي.

مدرستان… كلاهما يستند إلى منطق استعماري

غالبًا ما يُصوَّر المشهد كأنه مواجهة بين قوة استعمارية وشعب يقاوم، لكن الخلفية الفكرية أعقد.
هناك مدرستان غربيتان تتصارعان داخل أوروبا نفسها، وحولهما تتحدد الطريقة التي تُفهم بها روسيا:
مدرسة تريد تطويقها، وأخرى تريد إدماجها… لكن من بوابة حضارية عنصرية.

 

1) مدرسة ما بعد الحرب الباردة: روسيا كخصم يجب كبحه

هذه المدرسة نشأت من لحظة سقوط الاتحاد السوفييتي، وانطلقت من فرضية أن الغرب انتصر وأن الخرائط يجب أن تُعاد رسمها وفق هذا الانتصار.

في أوروبا، تبدو امتدادًا لليبرالية المحافظة.
وفي واشنطن، تتقاطع مع المحافظين الجدد والجمهوريين التقليديين.

منطقها واضح:

  • روسيا خصم يجب كبحه وإبقاء نفوذه محدودًا.
  • توسع الناتو شرقًا “استكمال لمهمة تاريخية”، حتى لو تناقض مع الوعود التي قُدّمت للروس بعدم التمدد شرقًا—ما يُعرف بـ“وعد الناتو”.
  • أي فرصة لتضييق المجال الحيوي الروسي تُعد فرصة استراتيجية يجب استثمارها.

وفي هذا السياق، تظهر أوكرانيا أداة ضغط أكثر منها شريكًا كاملًا لأوروبا.

 

2) المدرسة القومية اليمينية: روسيا داخل «الهرم الحضاري الأبيض»

في الجهة المقابلة، هناك مدرسة يمثلها اليمين القومي في الولايات المتحدة وأوروبا—من ترامب إلى أوربان.
مدرسة استعمارية أيضًا، لكنها لا تنظر لروسيا كتهديد جيوسياسي، بل كجزء من “أوروبا الحضارية”.

هذه المدرسة:

  • ليست منشغلة بتطويق موسكو.
  • ترى في الأنظمة السلطوية مشكلة يمكن التعايش معها ما دامت تنتمي للهوية العرقية الأوروبية.
  • تعتبر روسيا “قلب أوراسيا الأبيض”، لا خصمًا وجوديًا.
  • وتؤمن بأن خلاف الغرب معها مجرد فصل يمكن إغلاقه بـ“صفقة كبرى”.

السؤال هنا لم يعد عن أوكرانيا، بل عن تعريف روسيا نفسها:
هل هي قوة يجب محاصرتها؟
أم شريك غاضب يمكن احتواؤه مقابل ثمن؟

جوهر الخلاف: ليس أين تقف أوكرانيا… بل أين تُوضع روسيا

كثير من السجالات السياسية تبدو وكأن الصراع يدور حول “بيع دولة” أو “إنقاذ أخرى”.
لكن خلف الضجيج، المسألة أبسط وأكثر برودة:

المحور الحاسم هو طريقة النظر إلى روسيا… لا أوكرانيا.

  • المدرسة التقليدية تريد دولة محاصَرة، مشغولة بجوارها القريب، غير قادرة على لعب دور خارجي.
  • المدرسة القومية تريدها جزءًا من “النظام الغربي الكبير”، لكن وفق تصور عرقي يستبعد العالم غير الأبيض.

المدرستان ليستا مشروعًا تحرريًا.
كل منهما تملك منطق قوة، ورؤية توسعية، وسردية تريد فرضها على الخريطة.

 

أوروبا تعيد تعريف نفسها… وروسيا هي السؤال

ما يجري اليوم لا يُفهم من خلال خريطة أوكرانيا وحدها، بل من خلال الصراع على إعادة تعريف أوروبا:

  • هل هي قلعة ليبرالية تحاصر روسيا؟
  • أم «حضارة بيضاء» تريد ضمّها ضمنيًا؟

بين هذين الجناحين يتحدد مسار القارة، وموقع روسيا، ومآلات الصراع الذي يتجاوز حدود أوكرانيا بكثير.

تعليقات

المشاركات الشائعة