التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقالات الأحدث

الفراغ المغري في مدخل البحر الأحمر

يمكن الانطلاق من مفهوم واحد جامع يفسّر كل ما يجري حول مدخل البحر الأحمر والقرن الأفريقي: الفراغ المُغري. ليس الفراغ هنا توصيفًا بل حكمًا سياسيًا. منطقة تتآكل فيها الدولة، تتراجع فيها السيادة، وتختفي القدرة على فرض القرار، فتتحول الجغرافيا من عبء على أهلها إلى إغراء لغيرهم. وفي العلاقات الدولية، الفراغ دائما يجد من يملأه. كل فراغ سيملأه أحدهم مدخل البحر الأحمر ليس مجرد ممر ملاحي، بل عقدة ربط بين المحيط الهندي وقلب المتوسط، وبين تجارة العالم وسلاسل الطاقة والأمن. ومع تفكك الصومال، وانقسام اليمن، واضطراب السودان، وتحوّل إريتريا إلى دولة مغلقة شديدة الهشاشة، تشكّل فراغ استراتيجي واسع، لا تحرسه دولة قادرة ولا تحكمه منظومة إقليمية مستقرة. القاعدة القديمة هنا تعمل بلا استئذان: كل فراغ سيملؤه أحدهم، لا بالضرورة الأكثر شرعية، بل الأكثر قدرة. الفرق بين الرغبة والقدرة كثير من الدول تعلن أن أمن البحر الأحمر “حيوي” أو “مصيري”. لكن السياسة لا تُقاس بالتصريحات، بل بالفرق بين الرغبة والقدرة. الرغبة شعور، أما القدرة فهي ميزانية، وقواعد، وأسطول، واستدامة. امتلاك مصلحة في حرية الملاحة لا يعني امتلاك ال...

قرار مجلس الأمن نحو غزة: الفجوات المقصودة



 غزة ملف وليست طرف!!!

هذا ما أقره قرار مجلس الأمن وفقا للمقترح الأمريكي بقبول 13 دولة بما فيهم الجزائر العضو العربي في المجلس وامتناع روسيا والصين. القرار مليء بالفجوات المقصودة

فجوة حماس

القرار يتعمد ترك فجوة: لم يقل إن حماس “تنتهي”، ولم يعترف بها، ولم يتعامل معها ككيان سياسي يمكن التحاور معه.

هو فقط يتحدث عن “تفكيك البنى المسلحة”.

والنتيجة؟

ترك الباب مفتوحاً على ثلاثة سيناريوهات:

- نموذج حزب الله دون دولة (استمرار وجود سياسي وشعبي مع تحييد السلاح)

- إخراج قيادات حماس من غزة دون اجتثاث على المستويات القاعدية

- إدخالها في عملية سياسية بشروط مشدّدة

القرار لا يحدد الطريق… لكنه يحدد النهاية: لن تكون غزة كما كانت.

فجوة الدولة: الدولة الفلسطينية… ظلّ الدولة لا الدولة

القرار يلمّح إلى “مسار لدولة مستقلة”. لكن “التلميح” هنا ليس وعداً، بل تهدئة للمعسكر الأوروبي والعربي.

المسار مشروط بـ:

- إصلاح السلطة- دون أن يقول صراحة، ما الإصلاح المطلوب وكيف يتم.

- توحيد المؤسسات ( بلا خطة محددة)

- نجاح المرحلة الانتقالية ( نجاح بدون معيار محدد له)

تعاون دول المنطقة ( بما فيها إسرائيل وهو الشرط المستحيل إلى الآن على الأقل)

بمعنى آخر:

الدولة ليست نتيجة… بل جائزة إن نجح الجميع في لعبة تضع قواعدها واشنطن.

هذا “أفق سياسي”، لكنه أفق من النوع الذي يتحرك كلما اقتربت منه.

فجوة تعريف الصراع: إعادة تعريف الصراع لا حله

القرار لا ينهي الحرب، بل ينهي شكل الحرب. يحوّلها من مواجهة عسكرية مباشرة إلى صراع على إدارة ما بعد الحرب:

من يحكم؟

من يسلّح؟

من يعمّر؟

من يضع المناهج؟

من يدرّب الشرطة؟

هي حرب باردة على مستقبل غزة ستنخرط فيها قوى دولية وإقليمية متصارعة أو متحالفة، تمت هندستها بقرار دولي يضع أميركا في مركز اللعبة. القرار بذلك لا يقدّم “سلاماً”، بل صفحة جديدة من الصراع، لكن بأدوات مختلفة.

فجوة الادوار: التحديات التي تشكّك في قابلية القرار للحياة

بلهجة قصيرة ومباشرة:

- غياب صاحب الأرض عن طاولة الصياغة. فالفلسطينيون لم يكتبوا القرار، ولا حتى شاركوا فعلياً في صياغته.

- إسرائيل غير راغبة في المسار السياسي الذي يتضمن دولة. وهي قالت ذلك بوضوح.

- القوة الدولية بلا تعريف عملياتي فهي بلا قواعد اشتباك محددة

مطلوب منها مهمة نزع سلاح المقاومة دون اتفاق مع المقاومة

هناك اسئلة مفتوحة حول القوة الدولية

من يحكمها؟

من يقودها؟

من يموّلها؟

من يضمن عدم تحولها إلى طرف في الصراع؟

فجوة الجغرافيا: وحدة الضفة وغزة

القرار يتعامل مع غزة وحدها، كأنها كيان مستقل.

حماس خارج الحسابات الرسمية… داخل الحسابات الواقعية. وهذا تناقض يخلق فراغ سلطة خطير.

الخطة أكبر من القدرة الواقعية على تنفيذها، وأصغر من الحاجة السياسية لحلّ مستدام.

الخلاصة

القرار 2803 ليس “خريطة طريق”، بل معمار سياسي جديد تفرضه واشنطن على غزة:

طبقة انتقالية دولية، تحتها سلطة فلسطينية تم إصلاحها بحسب المعيار الأميركي، تحتها مجتمع مُنهك من الحرب، وفوق الجميع ظلّ إسرائيلي ثقيل يشترط الأمن ونزع السلاح وعدم الاعتراف.

هو إعادة إنتاج الصراع لا إنهاؤه، وتعريف جديد لغزة لا تحرير لها، ومحاولة لإنشاء نظام مستقّر… لكن على قاعدة غير مستقرة.

بكلمات أبسط:

القرار وعدٌ كبير على أرض رخوة.

تعليقات