التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقالات الأحدث

الفراغ المغري في مدخل البحر الأحمر

يمكن الانطلاق من مفهوم واحد جامع يفسّر كل ما يجري حول مدخل البحر الأحمر والقرن الأفريقي: الفراغ المُغري. ليس الفراغ هنا توصيفًا بل حكمًا سياسيًا. منطقة تتآكل فيها الدولة، تتراجع فيها السيادة، وتختفي القدرة على فرض القرار، فتتحول الجغرافيا من عبء على أهلها إلى إغراء لغيرهم. وفي العلاقات الدولية، الفراغ دائما يجد من يملأه. كل فراغ سيملأه أحدهم مدخل البحر الأحمر ليس مجرد ممر ملاحي، بل عقدة ربط بين المحيط الهندي وقلب المتوسط، وبين تجارة العالم وسلاسل الطاقة والأمن. ومع تفكك الصومال، وانقسام اليمن، واضطراب السودان، وتحوّل إريتريا إلى دولة مغلقة شديدة الهشاشة، تشكّل فراغ استراتيجي واسع، لا تحرسه دولة قادرة ولا تحكمه منظومة إقليمية مستقرة. القاعدة القديمة هنا تعمل بلا استئذان: كل فراغ سيملؤه أحدهم، لا بالضرورة الأكثر شرعية، بل الأكثر قدرة. الفرق بين الرغبة والقدرة كثير من الدول تعلن أن أمن البحر الأحمر “حيوي” أو “مصيري”. لكن السياسة لا تُقاس بالتصريحات، بل بالفرق بين الرغبة والقدرة. الرغبة شعور، أما القدرة فهي ميزانية، وقواعد، وأسطول، واستدامة. امتلاك مصلحة في حرية الملاحة لا يعني امتلاك ال...

عزلة بلا خطة: تحليل سياسات مصر تجاه التحولات في سوريا

 















التحولات في سوريا بعد سقوط نظام الأسد تفرض على الدول المحيطة قرارات صعبة بشأن كيفية التعامل مع المرحلة الجديدة. بينما تسعى بعض الدول إلى التواصل والاستفادة من الفرص، اختارت مصر طريقًا مختلفًا، أقرب إلى العزلة والتوجس. لكن هل هذا النهج يعكس استراتيجية واضحة أم أنه مجرد استجابة عاطفية للمخاوف الإقليمية؟

سياسات مصر تجاه سوريا الجديدة

أصدرت السلطات المصرية تعليمات جديدة تقضي بمنع دخول السوريين القادمين من جميع أنحاء العالم إلى البلاد. يأتي هذا القرار بعد أسبوعين تقريبًا من منع دخول السوريين الحاملين للإقامات الأوروبية والأميركية والكندية إلى مصر، إلا بعد الحصول على موافقة أمنية مسبقة. كما تم فرض حظر على دخول حاملي تأشيرات شنجن، إضافة إلى السوريين المتزوجين من مصريين، إلا في حال الحصول على تصريح أمني. 

التوتر بين مصر وسوريا

تتصرف مصر بعصبية تجاه سوريا دون محاولة وضع استراتيجية للتأثير. لا يوجد سبب سياسي لمعاقبة الشعب السوري على هزيمة نظام بشار الأسد. نظام بشار كان جثة متعفنة تتكأ على عصا سليمان، سقط بمجرد تآكل عصاه. 

 لكن مصر تتوسع في توجسها من النظام السوري الجديد وتتصرف وفقًا لتروما حاكمة من الإسلاميين في أي مكان. شملت التروما  الشعب السوري نفسه لا حكامه الجدد.

التعاون الدولي في سوريا بعد الأسد

على خلاف الموقف المصري المتوجس، يحاول العالم فتح قنوات تواصل واستغلال انفتاح الحكام الجدد على التواصل لمحاولة التأُثير في مسارات  التطور في سوريا . 

في 3 يناير 2025، قامت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك بزيارة إلى دمشق برفقة نظيرها الفرنسي جان نويل بارو، في أول زيارة لمسؤولين غربيين على هذا المستوى إلى سوريا. 

خلال زيارة وزيري خارجية ألمانيا وفرنسا إلى دمشق، تم التأكيد على أهمية التعاون الدولي في دعم الانتقال السياسي في سوريا. وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، أشار إلى تقديم الخبرة الفنية من فرنسا والاتحاد الأوروبي لمساعدة الشعب السوري في صياغة دستور جديد. وهو نهج سياسي مفهوم بتقديم التعاون ومحاولات التأثير على محاولات المواجهة والجفاء والغضب.

مصر الغاضبة الأمنية 

مصر الرسمية تبدو غاضبة أكثر منها مترقبة، عزلت نفسها في غرب ليبيا لنفس السبب، التروما المضادة للإسلاميين، تقدم فيها المدخل الأمني على المدخل السياسي. 
تصرفات مصر الرسمية، التي عزلت نفسها أيضًا عن سوريا الجديدة دون أي محاولة للتقارب إلا مكالمة بروتوكول من وزير الخارجية المصري لنظيره السوري، تبدو كشخص غاضب بلا خطة فيقوم بتصرفات عدائية دفاعية لا هدف سياسي لها، لكن يبدو فيها التوجس الأمني القائم على فرضية شبه مستحيلة وهي:
أن التغيير في سوريا سيؤدي لمحاولة تأثير على مسار الأحداث في مصر. وفقًا لهذه الفرضية فإن كل سوري يدخل مصر هو مروج محتمل للمسار السوري الكابوسي للنظام المصري. وهي احتمالية غير منطقية لاختلاف مسارات التغيير في البلدين واختلاف جغرافيا الغضب والثورة نفسها في المسارين.

العلاقات المصرية السورية: سياسات بديلة

تمر سوريا بتحديات انتقال سياسية وأقتصادية هامة تجعلها في حاجة لكل جهد لاستعادة استقرارها المفقود. تظهر سياسات مصر ناحية سوريا أنها عزلة بلا خطة ولا رؤية وهو ما يجعلها غير فعالة ولا تنتج إلا الجفوة وخسارة أي محاولة للتأثير والتعاون. لذا فعلى القاهرة التفكير في مداخل أكثر فاعلية من مجرد الغضب. 

التوقف عن عقاب السوريين

  • على مصر أن تمتنع عن عقاب السوريين كشعب على توجسها من قادة سوريا الجديدة. فالشعب السوري غير مسؤول عن تعفن جثة حكامه السابقين، بل يسأل عن ذلك هؤلاء الحكام أنفسهم. ولكن مصر الرسمية لا ترغب في استيعاب تلك الحقيقة لأن استيعابها يستلزم تغيرات كبيرة في نمط العلاقة بين الدولة والمواطنين.

التقارب السياسي

  • أيضا على مصر أن تحاول التقارب بشكل سياسي وتتعامل مع المتغيرات الجديدة كأمر واقع. فسوريا بلد مهم لمصر، والتغيير، حتى لو لم يكن على نفس بوصلة النظام المصري، يحمل فرص للتعاون بين الطرفين. التواصل بهدف معرفة النوايا ومحاولة التأثير في الحكام الجدد يجب أن يكون مدخل النظام المصري لا العدائية والتوجس.

فرص التعاون الأقتصادي

تحتاج سوريا للحركة على المستوى الأقتصادي في اتجاهين: 
  •  الأول هو إعادة الإعمار بعد حرب أهلية لم تزل بقاياها كنار تحت الرماد ولم تنتهي بشكل كلي حتى يتحقق الاستقرار الكامل.
  •  أما الإتجاه الثاني فخلق فرص لتنشيط الاقتصاد الذي أصبح عاجز عن توليد فرص للجميع. وذلك بعد التدمير الممنهج للاقتصاد في عهد الأسد وتحويله لاقتصاد مافياوي يخدم مافيا حاكمة تنشط في عالم الجريمة المنظمة والعنف الطائفي وتجارة المخدرات والاحتكار غير الشرعي للخدمات والتجارة. مما خلق اقتصاد ريعي محدود مركز فقط في الدائرة الضيقة التي حول الأسد لا لخدمة  أغلبية الشعب السوري.
 لذا فخلق تعاون أقتصادي  بين سوريا ومحيطها الإقليمي، بما فيهم مصر، فرصة مشتركة للطرفين ليحل الاقتصاد والتعاون ما افسدته السياسة والتخوفات الأمنية. 
  •  مصر بحاجة لصياغة سياسات بديلة للتعامل مع التغيير في سوريا بدلا من السياسات الغاضبة التي تعبر عن أزمة رؤية لا مقاربة سياسية متماسكة. 

تعليقات

المشاركات الشائعة