التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقالات الأحدث

الفراغ المغري في مدخل البحر الأحمر

يمكن الانطلاق من مفهوم واحد جامع يفسّر كل ما يجري حول مدخل البحر الأحمر والقرن الأفريقي: الفراغ المُغري. ليس الفراغ هنا توصيفًا بل حكمًا سياسيًا. منطقة تتآكل فيها الدولة، تتراجع فيها السيادة، وتختفي القدرة على فرض القرار، فتتحول الجغرافيا من عبء على أهلها إلى إغراء لغيرهم. وفي العلاقات الدولية، الفراغ دائما يجد من يملأه. كل فراغ سيملأه أحدهم مدخل البحر الأحمر ليس مجرد ممر ملاحي، بل عقدة ربط بين المحيط الهندي وقلب المتوسط، وبين تجارة العالم وسلاسل الطاقة والأمن. ومع تفكك الصومال، وانقسام اليمن، واضطراب السودان، وتحوّل إريتريا إلى دولة مغلقة شديدة الهشاشة، تشكّل فراغ استراتيجي واسع، لا تحرسه دولة قادرة ولا تحكمه منظومة إقليمية مستقرة. القاعدة القديمة هنا تعمل بلا استئذان: كل فراغ سيملؤه أحدهم، لا بالضرورة الأكثر شرعية، بل الأكثر قدرة. الفرق بين الرغبة والقدرة كثير من الدول تعلن أن أمن البحر الأحمر “حيوي” أو “مصيري”. لكن السياسة لا تُقاس بالتصريحات، بل بالفرق بين الرغبة والقدرة. الرغبة شعور، أما القدرة فهي ميزانية، وقواعد، وأسطول، واستدامة. امتلاك مصلحة في حرية الملاحة لا يعني امتلاك ال...

ما تعلمناه من يناير

 


اهم ما فعلته  يناير انها وضعت أيدينا على اصل الداء وعلة المرض. قبل يناير كنا مجموعة من حسني النية (بتعبير مهذب) او مجموعة من الحمقى محدودي الأفق (بالتعبير المناسب) نعتقد ان صراعنا مع "الديكتاتور قاسي القلب والعقل الذي لا يحب الديمقراطية الراغب في توريث العزبة لولده جيمي والذي بدوره جمع  زمرة من المنتفعين والطفيلين واللصوص...

- وكلنا "الطيبين" ضد  الشرير وعصابته المكونة حصرا من "40 حرامي" وعدد من المنتفعين التابعين. 

كان الظن ان  الفيلم سينتهي  بمجرد ما ندخل جميعا على "الأربعين حرامي" ونهتف بقوة: game over، نحن الشعب ومعنا الجيش، اقبض عليهم يا حضرة الظابط.  فينهار كبيرهم الذي علمهم الشر  ويستسلم بقية "الحرامية" ويفرح الجميع وتنزل تيترات  النهاية تحمل السعادة والحكمة والرسالة الوعظية والنهاية الحتمية مثل فيلم " العار"  "اجري يا ابن ادم جري الوحوش..... " 

- الحقيقة التي كشفتها يناير ان الأمور  اصعب مما تبدو عليه افلام السينما.  

فالمستبد القاسي لم يكن إلا نقطة توازن اختلت. تعبر عن مصالح دولة يوليو بتركيبتها وما انقلب عليه الجيش الا عقابا لتوسيع الشبكة بشكل لا يرضي الأطراف...

مبارك لم يكن الا رأس جبل التلج وما كان تحته كان اعمق. 

 تحت تلك الراس وجدنا ما يلي:

-  أقلية (اوليجاركية) عسكرية احتكرت الحكم بقوة السلاح واستولت على موارد مصر وأصبحت هي الوحيدة المسؤولة عن توزيعها مما خلق تفاوت كبير بين العسكريين والمدنيين تفاوت في شكل مزايا تفضيلية وترسيخ إحساس التفوق وسيطرة ولا مساواة لصالح العسكريين كما لو كانوا عرق أفضل وأعلى من الناس.. 

طبعا خلقوا حولهم طبقة مدنية طفيلية مستفيدة من تكريس الاستبداد واللامساواة تخدم وجودهم وتسعى للابقاء على الاستبداد لأطول فترة ممكنة... ترويكا حاكمة مكونة من الأجهزة الصلبة وأدوات ومؤسسات القمع معهم جهاز بيروقراطي يتم توجيهه وشراء ولائه بمزايا اقل تبقي على ولائه ولا تجعله يتطلع لما فوق ذلك.  ولا مانع من مجموعة من رجال أعمال يدوروا في فكلهم ويشتروا ولاءات لصالحهم، ونظام قبلي وعائلي في الدلتا والصعيد يكتسب مزاياه ويحافظ على تراتبية الشرف و التباهي و العصبية من خلال  اقترابه من دوائر الحكم والولاء لها.

- كمان خلقوا معارضتهم او اختاروا معارضيهم وهي معارضة قائمة على مجموعة افكار ماضوية ,وظن ان هناك فئة من الناس تظن انها تنطق بأسم الوحي الألهي وان ازمات الدنيا يمكن ان نحلها بوضع مجموعة من القوانين الجامدة التي لا يمكن تعديلها او معارضتها لأنها لا تنطق عن الهوى وانها وحي السماء, وأنها تمثل الدين والإسلام... 

مشكلة هذا الشكل  من المعارضة انها تدفع الناس الى صراع الكفر والأيمان وتمنع التفكير والتطور وتحول الصراع السياسي البشري الى صراع ديني بين اهل الحق واهل الباطل وتتجمد حولها الأفكار وتمتنع معها المعارضة الأخرى، لأن الحق له وجهة واحدة فقط ما نطقت به السماء وهم من يمثلوا السماء.

-  ان الإبقاء على هذه المعارضة كنموذج وحيد للتغيير هو رهان اخر لدولة يوليو العسكرية ... من خلال ثنائية استبدادنا احسن من استبدادهم... وهو ما حاولوا التركيز عليه في سنة حكم الأخوان والأخوان :شربوها" للثمالة سواء بقصد او بدون قصد، بوعي او بقلة خبرة، النتيجة واحدة. 

- السيطرة كي تستمر يلزم لها الحفاظ على بقرة الدولة المقدسة تحت حكم العسكريين وتفوق العسكري على المدني او تفوق السلاح والأمن  على السياسة  والحوار ..

 لا سياسة بدون تنافس وتوزيع للقوة والعسكري يريد ان يركز القوة ويقضي على التنافس لكي  يحافظ على مزايا تبدأ من احتكار الحكم إلى احتكار الموارد وإعادة توزيعها كما يترأى لهم مما يكرس لهذه السيطرة ويغذيها ..

- اي محاولة للتغيير الديمقراطي هي محاولة في شكل منها انتزاع مزايا السيطرة والقوة والثروة من الطبقة العسكرية الحاكمة بقوة السلاح والتخويف من الفوضى... 

اختصارا، كشفت يناير ان العفن في مصر مؤسسي وهيكلي لن يتغير إلا بتغير خريطة السيطرة

تعليقات

المشاركات الشائعة