التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقالات الأحدث

الفراغ المغري في مدخل البحر الأحمر

يمكن الانطلاق من مفهوم واحد جامع يفسّر كل ما يجري حول مدخل البحر الأحمر والقرن الأفريقي: الفراغ المُغري. ليس الفراغ هنا توصيفًا بل حكمًا سياسيًا. منطقة تتآكل فيها الدولة، تتراجع فيها السيادة، وتختفي القدرة على فرض القرار، فتتحول الجغرافيا من عبء على أهلها إلى إغراء لغيرهم. وفي العلاقات الدولية، الفراغ دائما يجد من يملأه. كل فراغ سيملأه أحدهم مدخل البحر الأحمر ليس مجرد ممر ملاحي، بل عقدة ربط بين المحيط الهندي وقلب المتوسط، وبين تجارة العالم وسلاسل الطاقة والأمن. ومع تفكك الصومال، وانقسام اليمن، واضطراب السودان، وتحوّل إريتريا إلى دولة مغلقة شديدة الهشاشة، تشكّل فراغ استراتيجي واسع، لا تحرسه دولة قادرة ولا تحكمه منظومة إقليمية مستقرة. القاعدة القديمة هنا تعمل بلا استئذان: كل فراغ سيملؤه أحدهم، لا بالضرورة الأكثر شرعية، بل الأكثر قدرة. الفرق بين الرغبة والقدرة كثير من الدول تعلن أن أمن البحر الأحمر “حيوي” أو “مصيري”. لكن السياسة لا تُقاس بالتصريحات، بل بالفرق بين الرغبة والقدرة. الرغبة شعور، أما القدرة فهي ميزانية، وقواعد، وأسطول، واستدامة. امتلاك مصلحة في حرية الملاحة لا يعني امتلاك ال...

ترامب والانقلاب على الاتفاق: سلام القبور أم سلام غزة؟

 


لا يمكن أن تثق في شخص بلا حدٍّ أدنى من الشرف، وأول الشرف الالتزام بما تعهَّد به شخصيًا.


1. ترامب والانقلاب على الاتفاق

جاء ترامب مفتخرًا بإنجاز اتفاق قبل توليه مهامه الرسمية، لكنه الآن يضغط لتخريبه. كان هدفه الوحيد، وفقًا لكلامه، هو إطلاق سراح "الرهائن"، لكنه لم يذكر سلام غزة أو سلامة مواطنيها إلا في تهديده لهم: "اتركوا لي غزة حتى يتوقف قتلكم." هذا ليس عرضًا، بل تهديد بالقتل أشعل المنطقة كلها.


وهكذا، اتضحت الاستراتيجية: توقيع اتفاق ثم التراجع عنه لأنه لم يعد يروق لترامب، الذي نسب نجاحه لنفسه. والمفارقة أن ترامب، ولأول مرة في التاريخ، يقف على يمين حكومة إسرائيل اليمينية أصلًا. يريد أغلب أعضاء الحكومة الإسرائيلية الاستمرار في اتفاق التبادل التدريجي، لكن ترامب يحرضهم على تخريبه والعودة للقتال بصيغة "الكل أو الجحيم".


2. تهديدات ترامب: بين الوعود والجحيم

اتخذ ترامب عدة خطوات للضغط، بدءًا من تهديد غزة بالجحيم بدلًا من بشائر السلام. كما طالب بالإفراج عن كل "الرهائن" دفعة واحدة، في محاولة لسلب المقاومة آخر ورقة تفاوض بيدها، حتى يحقق الجحيم الذي وعد به. لكن المقاومة، من جانبها، ملتزمة بالاتفاق، وتطالب الجميع بالالتزام به أيضًا. غير أن ترامب ببساطة يرد: "ما وقعت عليه لم يعد يلزمني، فأنا بلا كلمة وبلا شرف."


أزمة ترامب أنه يخاطب حمقى يصدقونه، ويفترض أن الجميع يجب أن يكونوا على نفس قدر الحماقة.


3. شحنات الأسلحة: الجحيم القادم من واشنطن

أزم ترامب المفاوضات ووضعها على فوهة بركان، ثم أرسل قنابل أشد فتكًا من تلك التي أرسلها بايدن. حيث استلمت إسرائيل حمولة ضخمة من الأسلحة على متن أول سفينة تصل من الجسر البحري بين واشنطن وتل أبيب.


وتضمنت حمولة السفينة قنابل ثقيلة، أبرزها القنبلة MK-84 التي تحتوي على نصف طن من المتفجرات، وتصل دائرة تأثيرها إلى 365 مترًا.


ووفقًا لمعلومات وزارة الدفاع الإسرائيلية، فقد وصل إلى إسرائيل:


أكثر من 76,000 طن من المعدات العسكرية.

678 رحلة جوية.

129 عملية شحن بحرية.

هذه أكبر عملية شحن جوي وبحري في تاريخ إسرائيل، والجحيم محمول جوًّا وبحرًا لتعقيد المفاوضات أكثر ووضع المسدس على رأس الشرق الأوسط كله.


4. السيناريوهات المقبلة: كيف تواجه المقاومة والدول العربية الضغوط الأمريكية؟

إذن، ما الحل في مواجهة إدارة أمريكية تؤمن بسلام الإذعان أو الجحيم؟ لا يوجد حل إلا تنويع الأساليب المضادة بشكل منسق، عبر:


الضغط بورقة الأسرى.

تقديم حلول بديلة لإحراج إدارة ترامب.

احتواء الضغوط الأمريكية المتقلبة.

كما يجب على الدول العربية الغنية استخدام الاستثمارات كورقة ضغط، بينما يمكن للدول غير الغنية التلويح بالمعاهدات السابقة على اتفاقيات التطبيع، لأن الإبراهيميين لا يمكن الوثوق بهم فيما يخص التعاون مع مصر والأردن.


التسليم الكامل للضغوط سيكون حماقة، والمواجهة الكاملة دون تنازلات تكتيكية ستكون أيضًا حماقة. المفاوضات الآن على حد السكين، وأي خطأ قد يؤدي إلى كارثة.


نحن في واحدة من أخطر اللحظات، مما يتطلب خليطًا من الجرأة والصبر والحكمة. فقد اتضح أن ترامب، كما وعد، يريد السلام... لكن سلام القبور.








تعليقات

المشاركات الشائعة