التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقالات الأحدث

الفراغ المغري في مدخل البحر الأحمر

يمكن الانطلاق من مفهوم واحد جامع يفسّر كل ما يجري حول مدخل البحر الأحمر والقرن الأفريقي: الفراغ المُغري. ليس الفراغ هنا توصيفًا بل حكمًا سياسيًا. منطقة تتآكل فيها الدولة، تتراجع فيها السيادة، وتختفي القدرة على فرض القرار، فتتحول الجغرافيا من عبء على أهلها إلى إغراء لغيرهم. وفي العلاقات الدولية، الفراغ دائما يجد من يملأه. كل فراغ سيملأه أحدهم مدخل البحر الأحمر ليس مجرد ممر ملاحي، بل عقدة ربط بين المحيط الهندي وقلب المتوسط، وبين تجارة العالم وسلاسل الطاقة والأمن. ومع تفكك الصومال، وانقسام اليمن، واضطراب السودان، وتحوّل إريتريا إلى دولة مغلقة شديدة الهشاشة، تشكّل فراغ استراتيجي واسع، لا تحرسه دولة قادرة ولا تحكمه منظومة إقليمية مستقرة. القاعدة القديمة هنا تعمل بلا استئذان: كل فراغ سيملؤه أحدهم، لا بالضرورة الأكثر شرعية، بل الأكثر قدرة. الفرق بين الرغبة والقدرة كثير من الدول تعلن أن أمن البحر الأحمر “حيوي” أو “مصيري”. لكن السياسة لا تُقاس بالتصريحات، بل بالفرق بين الرغبة والقدرة. الرغبة شعور، أما القدرة فهي ميزانية، وقواعد، وأسطول، واستدامة. امتلاك مصلحة في حرية الملاحة لا يعني امتلاك ال...

ازمة صناعة الكراهية.. نموذج الخلاف المصري السوداني على حلايب وشلاتين

تصعيد خطير بين مصر والسودان في حلايب وشلاتين - قناة العالم الاخبارية

 لما كتبت بوست امبارح عن السودان كان في تعليق حول ان "احتلال" مصر لحلايب وشلاتين ضيع تعاطف السودانين مع مصر او خلاهم ينظروا لمصر انها بلد معادية. 

موضوع حلايب وشلاتين ده يا جماعة احد مظاهر كيف يتم حشد الشعوب ضد بعضها لصناعة الكراهية الوطنية. بعض السياسين بيستسهلوا فكرة خطر وهي فكرة صناعة كراهية وطنية مشتركة ضد بلد جار تخلق شخصية قومية عابرة للإنتماءات القبلية. الفكرة ببساطة اننا علشان نتجاوز الأنتماءات القبلية والعرقية اللي عندنا  لازم نخلق "نحن" كبيرة اكبر من القبيلة لازم لها "هم" كبيرة بردو في صورة بلد اخرى وليس قبيلة اخرى. 

ده بالظبط اللي حصل لنا وحصل لهم, تم تصوير حلايب وشلاتين انها ازمة وطنية كبيرة في السودان علشان نقدر نبيع الكراهية الوطنية دي بسهولة للناس ونحشدهم ضد الجارة المفترية اللي بتحتل اراضينا في حين ان حكاية حلايب على اقصى تقدير لا يجب ان تتجاوز فكرة خلاف قانوني لتفسير قرارات سياسية وادارية. 

اللي حصل ان سنة 1899 تم ترسيم الحدود بين اقليمين كبار تابعين اسميا لنفس الدولة وهما اقليمي مصر والسودان. التقسيم خلى كل حاجة شمال خط عرض 22 لغاية البحر المتوسط هو اقليم مصر, واللي جنوب الخط ده اسمه السودان. وده اللي خلى حدود مصر الجنوبية تبان انها مرسومة بالمسطرة لأنها حدود مرسومة على خط عرض جغرافي مش حدود طبيعية زي الجبال او الأنهار او غيره.. طيب حلو, هنا مفيش مشكلة, يبقى مثلث حلايب وشلاتين وابورماد ده مثلث يقع في مصر. فين المشكلة؟ 

المشكلة ان قبائل العبابدة والبشارة اتقسموا كده بين ادارتين واحدة في القاهرة والتانية في الخرطوم. اللي قاعدين شمال خط 22 دول تبع القاهرة, واللي قاعدين جنوبه تابعين لإدارة الخرطوم. نعمل ايه علشان الناس اللي بيشتكوا دول, خاصة انها بلد واحدة يعني ومش فارقة يروح يخلص ورق من القاهرة ولا من الخرطوم. جه ناظر الداخلية في الوقت ده مصطفى فهمي وقال بما اننا بلد واحدة فخلاص, خلي المثلث ده يتبع اداريا الخرطوم. شد خطين تحت كلمة اداريا دي لأن ما هو ادراي يفرق عما هو سياسي وخاص بالسيادة. هنا ظهرت المشكلة بعد استقلال السودان سنة 1956. السودان مصمم ان القرار الإداري ده يدي له حق سيادة في اراضي واقعة شمال خط عرض 22 اللي هو مثلث حلايب شلاتين ابو رماد, ومصر مصممة ان القرار الإداري بتاع سنة 1902 لا يغير حقيقة التقسيم بتاع 1899 اللي بيخلي المثلث ده تحت سيادتها. 

انت ممكن تاخد اي موقف براحتك, ممكن تقول خلاص بما ان ناظر الداخلية اداها اداريا للسودان, يبقى هي تابعة للسودان اداريا وسياسيا. وممكن تقول القرارات الإدارية لا تجب حقوق السيادة لذا فهي تابعة لمصر. لكن المفروض يفضل نظرتك للأمور سهلة وبسيطة في اطار الخلاف القانوني لو كانت النوايا واضحة, لكن لأن الأمور تم تحميلها ما ابعد من الخلافات القانونية, فتم تحويل قضية مثلث حلايب وشلاتين وابورماد لقضية جامعة تصنع من خلالها الكراهية الوطنية واستخدمت الحكومات القضية للشحن الوطني بطريقة مبالغ فيها. 

من كام يوم برهان رئيس مجلس السيادة لقى نفسه مزنوق فطلع بحوار علشان يشحن وطنية الكراهية دي بأنه يقول هنرفع العلم على حلايب وشلاتين وطبعا نجحت الحكاية في انها تعيد الجدل تاني في السودان. 

طول ما رؤية الأطراف للمصلحة الوطنية انها مصلحتهم هما في البقاء في الحكم وتحريض الشعوب ضد بعضها طول ما ده بيخلينا منطقة تتمتع بقدر كبير من العدوانية بين شعوبها وفرص اقل ان الشعوب دي تتعاون مع بعض علشان مصلحتها الحقيقية مش المصلحة اللي بيتخيلها الحكام.

تعليقات

المشاركات الشائعة