التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقالات الأحدث

الفراغ المغري في مدخل البحر الأحمر

يمكن الانطلاق من مفهوم واحد جامع يفسّر كل ما يجري حول مدخل البحر الأحمر والقرن الأفريقي: الفراغ المُغري. ليس الفراغ هنا توصيفًا بل حكمًا سياسيًا. منطقة تتآكل فيها الدولة، تتراجع فيها السيادة، وتختفي القدرة على فرض القرار، فتتحول الجغرافيا من عبء على أهلها إلى إغراء لغيرهم. وفي العلاقات الدولية، الفراغ دائما يجد من يملأه. كل فراغ سيملأه أحدهم مدخل البحر الأحمر ليس مجرد ممر ملاحي، بل عقدة ربط بين المحيط الهندي وقلب المتوسط، وبين تجارة العالم وسلاسل الطاقة والأمن. ومع تفكك الصومال، وانقسام اليمن، واضطراب السودان، وتحوّل إريتريا إلى دولة مغلقة شديدة الهشاشة، تشكّل فراغ استراتيجي واسع، لا تحرسه دولة قادرة ولا تحكمه منظومة إقليمية مستقرة. القاعدة القديمة هنا تعمل بلا استئذان: كل فراغ سيملؤه أحدهم، لا بالضرورة الأكثر شرعية، بل الأكثر قدرة. الفرق بين الرغبة والقدرة كثير من الدول تعلن أن أمن البحر الأحمر “حيوي” أو “مصيري”. لكن السياسة لا تُقاس بالتصريحات، بل بالفرق بين الرغبة والقدرة. الرغبة شعور، أما القدرة فهي ميزانية، وقواعد، وأسطول، واستدامة. امتلاك مصلحة في حرية الملاحة لا يعني امتلاك ال...

الضربة الإيرانية بين الإنكار والارتباك: لماذا يصعب على البعض تصديق ما حدث؟




لا يوجد عاقل واحد اندفع وقال إن إيران انتصرت،  أو انهزمت،

لكن لا يوجد عاقل واحد يمكنه القول إن ما تتعرض له إسرائيل من ضربات غير مؤثرة، 

خصوصًا بعد ظهور مشاهد الدمار في الإعلام الإسرائيلي ذاته، ومنها صور بات يام التي تُظهر مباني مدمرة بشكل بالغ، with a Gaza-like impact، أي دمار يُذكّر بما تعرضت له غزة من قصف واسع النطاق، وهي ليست تهويلًا بل حقيقة صادمة عاينها الجمهور الإسرائيلي نفسه. 

حيفا وما بعد حيفا

ضربة حيفا، والأحياء التي تضررت تضررًا واسعًا في تل أبيب، وضرب أهداف عسكرية أو ذات طابع مزدوج مثل وزارة الدفاع، معهد وايزمان، ومصفاة التكرير في حيفا، كلها حقائق موثقة بصور ومقاطع انتشرت حتى في وسائل الإعلام الإسرائيلية ذاتها، مثل "يديعوت أحرونوت" و"القناة 12".

الهجوم الإيراني في اول يومين شمل أكثر من 300 صاروخ ومسيرة، بحسب بيانات استخبارات أمريكية مفتوحة، من بينها صواريخ باليستية متوسطة المدى من طراز "قيام" و"ذو الفقار"، وأخرى قصيرة المدى مثل "فاتح-110"، إضافة إلى مسيرات "شاهد-136". 

قدرت بعض المصادر أن عدد الصواريخ التي وصلت إلى الداخل الإسرائيلي يتراوح بين 60 و و100 في الفترة القصيرة بين 13-14 يونيو، 

 وهو عدد كبير لصواريخ لها قدرات تدميرية كبيرة. عدد لم تتوقعه إسرائيل, 

ما أحدث دمارًا واسعًا في بات يام وريشون ليتسيون وحيفا، وأدى إلى تعطّل محطات كهرباء ومنشآت حيوية. كما وردت تقارير عن استهداف مباشر لقاعدة "نيفاتيم" الجوية التي تضم طائرات F-35، وكذلك محيط مفاعل ديمونا، في محاولة لإحداث صدمة استراتيجية. 

رغم أن إسرائيل تمكنت من اعتراض نسبة كبيرة من المقذوفات، إلا أن الدفاعات الجوية الثلاثية (مقلاع داوود، حيتس، والقبة الحديدية) تعرضت لضغط وتشويش ميداني غير مسبوق.

السؤال هنا: لماذا يصرّ البعض على إنكار هذه الحقائق؟

الأسباب متعددة:

• هناك من انهزم نفسيًا ولا يريد تصديق أن إسرائيل أيضا عرضة للضرر الشديد.

• في ناس تتلقى وحي المعرفة من الغرب.. أي أن كل ما تقوله وسائل الإعلام الغربية والسرديات الغربية الإعلامية والفلسفية هو الحقيقة والعدل والخير. رغم كل التضليل الذي عاينه في حرب غزة

• هناك من يضمر رفض عميق لكل ما يرمز إلى ما يكرهه، ويعيش في حالة انتقام داخلي مزمن. فيبني بوصلته بالكامل على معاكسة كل اتجاه يسير فيه الطرف الذي يبغضه.

• وهناك مشاريع "داليا زيادة" المصغّرة: أفراد لديهم مصالح مباشرة أو تطلعات للاندماج في مراكز انتاج المعرفة والنفوذ اليمينية الداعمة لإٍسرائيل في الغرب. فيبالغون في تبني الرواية الرسمية الإسرائيلية باعتبارها أوراق اعتماد في لعبة الولاء.

التضليل والتضليل المضاد

كل هؤلاء لا يقدمون رأيًا موضوعيًا، بل انحيازًا مكسوًّا بلغة تحليلية زائفة. تمامًا كما يفعل الطرف المقابل الذي يبالغ بدوره في تضخيم أثر الضربات ويعلن انهيار إسرائيل.

الواقع أعقد من الطرفين: الضربة الإيرانية كانت أعمق وأقوى مما توقعته إسرائيل عند انطلاق الحرب، لكنها لم تكن ضربة قاضية. والضربة الإسرائيلية الأخيرة على إيران كانت صادمة وكاشفة لاختراقات أمنية خطيرة، لكنها لم تُنهِ قدرة إيران على الرد.

نحن إزاء مشهد تضليل وتضليل مضاد، يتطلب عقلًا لا ينفجر في حقل الألغام، بل يقرأ بعين باردة، تعرف أن قوة الأثر لا تُقاس بعدد الصواريخ فقط، بل بمدى اهتزاز منظومة الثقة والردع، وتكاليف المعركة في الجبهتين.









تعليقات

المشاركات الشائعة